واشنطن بوست: استراتيجية روسيا الأوسع في سوريا

واشنطن بوست 14 شباط/فبراير 2020

ترجمة وتحرير | جُرف نيوز

ترى وزارة الخارجية الروسية أن ”الوضع استقر إلى حد كبير في سوريا، السلام يعود إلى البلاد، والاقتصاد والحياة الاجتماعية يبدآن بالتعافي“.

وقال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري قبل أيام، إن “الصراع في سوريا خطير للغاية، يجب وضع حد للهجمات في إدلب، وروسيا يجب أن تغير سياساتها“.

يتناقض وصف روسيا الوردي للوضع في سوريا بشكل صارخ مع الصور البائسة من إدلب، دخان متصاعد من أطلال المنازل التي تم قصفها، مئات الآلاف من النازحين الذين أجبروا على الفرار من ديارهم، وأُسر تبكي على أشلاء متفحمة من الضحايا الذين قتلوا في هجمات طائرات النظام وروسيا.

نظام الأسد مصمم على القضاء على آخر معقل للمعارضة في إدلب، وقد أعطت روسيا دعمها الكامل للهجوم، من خلال الغارات الجوية.

إن هدف موسكو في سوريا ليس فقط دعم صديق قديم، إنه يتعلق أيضاً بفرض القوة الروسية العالمية ضد حلف شمال الأطلسي ”الناتو“، في الوقت الذي يتلاعب الرئيس فلاديمير بوتين بصداقة معقدة، مع شخص استبدادي يشابهه في التفكير، وهو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ضربت الطائرات الحربية للنظام وروسيا أهدافاً مدنية كالمستشفيات والمخابز والأسواق، ويقول مراقبون إن هذه الاستراتيجية في المنطقة تبدو مدروسة لطرد المدنيين، وتهجيرهم من البلدات والقرى، حتى يتمكن جيش النظام من اجتياح المناطق دون أي تحدٍّ من سكانها.

يفر السكان الذين هرب الكثير منهم من ديارهم سابقاً مرة أو اثنتين خلال الحرب الطويلة في سوريا، باتجاه الحدود التركية. لكنهم منعوا من عبور الحدود، وتركوا عالقين، وأجبروا على إيجاد مآوٍ في مبان مهدمة، أو في مدارس مهجورة أو تحت الأشجار في فصل الشتاء البارد.

الخسائر في أرواح المدنيين هائلة، لكن لا يبدو أن هذه الخسائر أو غضب الدول الغربية أنهما يغيران الحسابات العسكرية لروسيا. ووفقاً للخبير العسكري الروسي بافيل فيليغنهاور، من مؤسسة جيمس تاون، فإن ”الجيش الروسي يقول إن هجماته دقيقة، ويدعي أنه لم يصب أي مدني، لكن بالطبع، الجميع يدرك أن هذا هراء“.

وتقول إليزابيث تسوركوف، الباحثة في الشأن السوري بمعهد أبحاث السياسة الخارجية، إن روسيا والنظام ”مصران على التقدم العسكري، الأمر الذي قد يترك مصير 3 ملايين شخص نازح من إدلب في قطعة أرض على طول الحدود التركية.. إن جزءاً من الهجوم يظهر النية في كسر أرواح السكان، عن طريق خلق البؤس والخوف.. لقد ثبت ذلك من خلال سلوكهم مرة تلو الأخرى خلال السنوات السابقة“.

وتضيف: ”لا أعتقد أنهم يهتمون بالخسائر المدنية، بل في بعض الأحيان، يجدونها مفيدة لسياستهم المتمثلة في التهجير المتعمد من مناطق الخطوط الأمامية للمعارك“.

وبصرف النظر عن التحالف الروسي السوري الوثيق الذي يعود إلى عدة عقود، تتجلى المصلحة الاستراتيجية الرئيسية لروسيا في قاعدتين عسكريتين هما حميميم الجوية وطرطوس البحرية، اللتان تمنحها موطئ قدم ثمين على البحر الأبيض المتوسط.

يقول فيليغنهاور: ”الكرملين لديه رؤية أوسع بكثير من الاقتتال الداخلي السوري.. إن حماية قاعدة حميميم الجوية التي توفر الغطاء للبحرية الروسية في المتوسط، تعني وجوب تأمين حلف بوتين وبشار الأسد“.

لكن دعم روسيا للنظام في السيطرة على إدلب يُعرض استراتيجية أخرى لموسكو للخطر، ألا وهي محاولتها بناء علاقات أوثق مع تركيا.

لقد دقت الروابط بين بوتين وأردوغان إسفيناً بين تركيا وحليفتها الرئيسية في الناتو، الولايات المتحدة. وقد أدى هذا الصدع إلى تمكين روسيا كلاعب مهيمن في سوريا.

إدلب هي اختبار آخر لتركيا وروسيا، حيث لن تقبل حكومة أردوغان بسهولة، بوجود جيب يقطنه ملايين الأشخاص الفقراء واليائسين على حدودها، بحسب تسوركوف.

اتهمت تركيا روسيا بانتهاك اتفاقية سوتشي التي تهدف إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح بين قوات النظام والمعارضة، لكن روسيا أيضاً اتهمت تركيا بعدم التزامها بـ”فصل المعارضة السورية المسلحة عن هيئة تحرير الشام”.

وتصاعدت الأزمة بشكل حاد في الأيام الأخيرة، طالب أردوغان روسيا بوقف تقدم قوات النظام في إدلب، وأعطى مهلة لانسحابها حتى نهاية شهر شباط الجاري.

ويقول محللون إن مع عودة طريق ”M5“ الاستراتيجي إلى يد النظام، هناك فرصة لأن تتوصل تركيا وروسيا إلى اتفاق خفض تصعيد في المنطقة، لأن بوتين وأردوغان ليس لهما مصلحة في الانهيار التام لعلاقتهما، غير أن الخطر من أن الصراع قد يتصاعد لا يزال موجوداً.

ولا تظهر قوات النظام التي تحشد إلى جانبها الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، أي مؤشر على استعدادها لوقف الهجوم، 

تسوركوف تقول: ”لقد وضعت تركيا قواتها في وضع ضعيف للغاية في إدلب، إنهم أهداف سهلة هناك“.

ومع تزايد المخاطر، يبدو أن روسيا تعول على تراجع أردوغان، يرى فيليغنهاور أن ”مواقف كلا الجانبين غير متوافقة بشكل كبير، موسكو تعتقد أن أردوغان لا يستطيع المجازفة بمواجهة مع روسيا، وسوف ينهار إذا مورست ضغوط كافية عليه، لكن إذا لم يفعل؟ قد يكون ذلك مشكلة“.

قد يعجبك ايضا

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق