الرئيس بين يدي عمه المرشد

حازم الأمين

لطالما استدرجت صور بشار الأسد كلاما شخصيا. ثمة خلل ما في مركز صورته يؤدي بمن ينظر إليها إلى البحث عن هذا الخلل. ها هو الآن بين يدي مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي. صورته تؤشر إلى أننا حيال رئيس فاقد الحيلة والقدرة، بينما يتولى خامنئي طمأنته.

ربما كنا نتوهم ذلك، لكن الأكيد أن خللا ما في الصورة؛ في جسم الرئيس أو في أدائه. شعرنا بذلك أيضا عندما شاهدناه يمشي خلف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة حميميم، وها نحن نشعر به اليوم.

ثمة رئيس غير ناضج. غافلته الكرسي قبل أن ينضج، ثم غافلته الثورة، بعد أن كان غادر لتوه لبنان

على المرء أن يفكر أين الخلل؟ هل في رفض فطري مقيم فينا لهذا القوام، أم في انفعالات الرجل الجسمانية؟ الصورة صارت جزءا من وعينا بالرجل، ومن محاولات تفسيره.

بشار الأسد حين ينطق، لا تخرج الكلمات من فمه. تبقى فيه، أو تبتعد مسافة قصيرة. في خطبه لا تنعقد عبارته في وعي أو ذاكرة أو مشهد. هي عبارته، وهي شديدة الشبه بجسمه وبحاله. هذه المعادلة تؤدي بنا نحن مستمعيه ومشاهديه إلى المزاوجة بينه وبين عبارته. هي جزء من وجهه ومن جسمه. لا تبتعد خطوة عنهما، ولا تؤلف فكرة أو نصا أو منولوغا.

دائما ما يذهب مفسرو بشار الأسد إلى مشهده لكي يستنتجوا ولكي يحللوا، لا إلى عبارته وإلى فكرته. حين يدفع بجسمه إلى الأمام كما نفعل حين نمشي، يشعر المرء بنوع من الافتعال. إنه يفتعل المشي، كما يفتعل العبارة، ويفتعل الابتسامة. حين وقف بين يدي المرشد راح يفتعل الحرارة والدفء، وهو إذ فعل ذلك، لم يُقدم عليه بصفته مراوغة تمليها ضرورة اللقاء، إنما فعله لأنه متعثر ولا يجيد الأداء في هذا النوع من المواقف.

يقودنا ذلك إلى أسئلة موازية. فالرجل “منتصر” اليوم، وثمة من يسعى إلى إعادة إنتاج صورته رئيسا. وسوريا لطالما حُكمت من رئيس تخرج الكلمات من فمه وتقيم بعيدا من جسمه ووجهه. عبارة حافظ الأسد لم تكن يوما متصلة بصوته على نحو ما هي عبارة صدام حسين مثلا أو جمال عبد الناصر. كنا نقرأها مكتوبة على الجدران، أو على زجاج شاحنات الجيش السوري، لكننا لم نحفظها مقرونة بصوته ووجهه. أما بشار فنحفظ صوته لا عبارته، ونستعيد ارتباكاته قبل أن نستعيد قوله.

لكن وبعيدا عن هذا التأويل الذي قد لا يصيب، الأكيد أن الرئيس في لقاءيه مع بوتين ومع خامنئي كان مرتبكا وضعيفا، وحائرا وممتنا أحيانا. هذه ليست حال المنتصرين. وهو إذ سيحكم سوريا مجددا، سيفعل ذلك على نحو ما أظهرت صورتيه. سيمشي خلف بوتين قاطرا خلفه سورياه، وسيحضر بين يدي المرشد غير قادر على طرد حيرته عن ملامح وجهه.

يقف مبتسما خلف عمه الأول، وحائرا بين يدي عمه الثاني

على هذا النحو ستُحكم سوريا في أعقاب انتصار بوتين وخامنئي فيها. وهذه ليست صورة الرئيس الضعيف، على رغم أنها صورته، هي صورة القيصر والمرشد خلفه، وهي سوريا المتعثرة برئيسها الذي غادر صورة أبيه، وأقام في صوته الذي لا يصلح لسلطة ولمجزرة. هنا تماما مأزق النظام ومأزق المنتصرين. عليهم أن يبحثوا عن رئيس يصلح لهذه المجزرة، ولهذا الدمار الكبير الذي أحدثوه.

ثمة خلل ما في صورة الرئيس. فلنحاول الابتعاد عن تفسيرنا قصة غياب علم سوريا عن صورة اللقاء في طهران، أو عن حرص بوتين على أن يتقدمه في حميميم. الخلل أبعد من ذلك، وهو إذ سابق على ما أصاب سوريا من موت ودمار، إلا أنه زاد وتعمق وصار صورة الرئيس.

فالأسد اليوم هو تعثره وارتباكه، وهو إذ يستعيد عبارته في خطبه في مجلس الشعب السوري، لا تبتعد عبارته عن وجهه خطوة واحدة، تبقى مقيمة في صوته، ويستعاض عن هذا الفراغ الكبير بتصفيق أعضاء مجلس الشعب وفي أراجيزهم التي يقاطعون فيها خطبة الرئيس ومونولوغاته.

ثمة رئيس غير ناضج. غافلته الكرسي قبل أن ينضج، ثم غافلته الثورة، بعد أن كان غادر لتوه لبنان. لبنان هدية أبيه التي بددها. لم يبق له اليوم سوى أعمام غير أوفياء، يخفي خلفهم وجهه الحائر وغير المُفسَر. يشحذ همة لكي يدفع بجسمه إلى الأمام، ويقف مبتسما خلف عمه الأول، وحائرا بين يدي عمه الثاني. الدنيا أيضا أعمام، ومن قال إن البلدان لا يحكمها الأعمام، على نحو ما يحكمها اليوم الأصهار.

المصدر: موقع “الحرة” – 28 شباط/فبراير 2019

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه