الإندبندنت: الوحشية هي جزء لا يتجزأ من نظام بشار الأسد

جٌرف نيوز | ترجمة

في صحيفة “الإندبندنت The Independent”، يقدم وزير الخارجية البريطاني لشؤون الشرق الأوسط أليستر بيرت، قصة السيدة السورية أمينة خولاني، التي تعيش الآن في بريطانيا، وكانت قد اعتقلت في السنوات الأولى للانتفاضة. وهي تروي الآن حكايتها وعائلتها للمرة الأولى، لأنها تشعر بضرورة مواصلة المساعي لتحقيق العدالة، بعد أن شهدت وحشية النظام.

يتساءل بيرت في بداية المقال: هل سبق لك وأن علَّقت في الإنترنت على سياسة حكومتك؟ هل شاركت في مظاهرة سلمية؟ حرية التعبير هو حق أساسي من حقوق الإنسان.. أليس كذلك؟. ويتابع، والآن تخيل أنك اعتُقلت وعُذّبت واحتُجزت لسنوات، ببساطة لأنك فعلت ما سبق. بالنسبة لشعب سوريا، هذه الوحشية، هي جزء لا يتجزأ من نظام بشار الأسد.

أكثر من (95) ألفاً من السوريين اختفوا، منذ آذار 2011. أكثر من (80) ألفاً منهم غيبوا قسراً على يد نظام الأسد. كانت أغلبيتهم الساحقة مواطنون عاديون، مات العديد منهم في محاولة للنظام على تغطية جرائمه المروعة. لكنه بدأ بإصدار شهادات وفاة للمعتقلين بسبب الأزمات القلبية وغيرها من الأسباب الطبيعية للموت.

لكن، لا يمكن لأحد غير السوريين أنفسهم، أن يتحدثوا حقيقةً بالنيابة عن الشعب السوري. هناك نساء ورجال تمكنوا من البقاء على قيد الحياة بعد خروجهم من معتقلات النظام، يقدمون روايات عن التعذيب والقتل والعنف الجنسي.. “إن أغلبية المعتقلين سواء كانوا من الرجال والنساء، هم ضحايا للعنف الجنسي، الأمر الذي يترك أضراراً نفسية لا تُمحى بسهولة”.

قصة أمينة خولاني

قبل أن تبدأ الحرب في سوريا، عشت في داريا مع زوجي وأولادي، عملت كمدرسة للتاريخ في مدرسة ثانوية وسط دمشق. كان لدي شغف كبير بحقوق الإنسان. وسوريا التي كانت تحت سيطرة نظام قمعي ووحشي، لم يكن فيها ديمقراطية أو حرية تعبير. وكانت حالات الاختفاء والاحتجاز القسري، أساساً في حكم البلاد، منذ أيام حافظ الأسد.

أمينة خولاني

انخرطت مع مجموعة من الشبان والشابات بالنشاط السلمي في داريا، قمنا بتنظيم مبادرات لتنظيف شوارع بلدتنا، وحملات تتناول الرشوة والفساد، واحتجاجات، ليس فقط على الانتهاكات التي تحدث في سوريا، بل أيضاً تلك التي تحدث في بلدان أخرى.. أصبحنا معروفين باسم ”شباب داريا“.

نتيجة لهذه الأنشطة، استُدعينا للاستجواب في فرع الاستخبارات. استُجوبت النساء يومياً لمدة شهر كامل، من الساعة التاسعة صباحاً وحتى الخامسة مساء. والرجال، بمن فيهم زوجي وأخي، احتُجزوا على الفور وأُحيلو إلى المحكمة العسكرية، وحٌكم عليهم بالسجن أربع سنوات في سجن صيدنايا، المعروف بتعذيب المعتقلين وقتلهم. نادراً ما يخرج سجناء من سجن صيدنايا، عندما خرج زوجي وعاد إلى المنزل بعد عام، كان مصاباً بالاكتئاب، وبالالتهاب الرئوي.

بالنسبة لي، كانت الانتفاضة حلماً أصبح حقيقة، وفرصة لشعب سوريا للتعبير عن رغبته بتحقيق الديمقراطية وتوفير الحقوق المدنية لجميع السوريين، بغض النظر عن العرق أو الدين. لذا كان يجب أن أستمر بالمشاركة في المظاهرات.. نظّمنا الاحتجاجات ووزّعنا المنشورات. زرنا عائلات وقبور من قتل على يد الأمن في المظاهرات. بدأنا بتوزيع الورود وزجاجات المياه على قوات أمن النظام الذين كانوا يهاجمون المحتجين، نعطيهم أوراقاً كتبنا عليها عبارات ”أنا وأنت سوريون، لماذا تقتلوننا؟“.

بعد هذه الاحتجاجات، اختبرتُ أعماق وحشية النظام بشكل مباشر. ففي تموز/يوليو 2011، اعتُقل أخي عبد الستار من قبل المخابرات الجوية التابعة للنظام. وبعد 15 يوماً اعتقلوا أخي مجد، ونٌقل الاثنان إلى سجن صيدنايا.

في ظل حكم نظام الأسد، لا يسمح بالزيارات للمحتجزين في سجونه، لكنني وعائلتي حاولنا بشتى الطرق، إيجاد طريقة لرؤية إخوتي. في نهاية المطاف حصلنا على تصريح لزيارتهم بعد دفع رشاوى. انتظرنا خارج سجن صيدنايا ثلاث ساعات قبل أن يُسمح لنا بالدخول. قيل لنا إنه بإمكاننا رؤية كل واحد منهم لمدة لا تتجاوز ١٥ دقيقة، مُنعنا من سؤالهم عن أي شيء، سوى عن صحتهم.

عندما دخل عبد الستار، لم أتعرف عليه. في البداية اعتقدت أنهم ارتكبوا خطأً وأحضروا شخصاً آخر، ثم سمعت صوته، وعرفت أنه هو، وبعد 15 دقيقة أخذوه بعيداً. انتظرنا ساعة أخرى لرؤية مجد، عندما أتى، سألَته أمي: هل رأيتَ عبد الستار؟، ضربه العناصر أمامنا مباشرة، لأن سؤالاً كهذا كان ممنوعاً علينا، ولم يُسمح لأخي حينها بإمساك أطفاله. مع ذلك، ولأن مثل هذه الزيارات كان يُسمح بها بشكل نادر، جاء الناس من بلدتنا لتهنئتنا بعد رؤية أخوَي.

في (20) آب/أغسطس 2012 بدأت مذبحة داريا، استمرت ستة أيام، كان ذلك بعد عطلة العيد. أغلق النظام الطرق ومنع الدخول والخروج من البلدة، عندها بدأ القصف. استخدموا قذائف الهاون والصواريخ وجميع أنواع القنابل، بدا لنا أن القصف سيستمر إلى الأبد، كنا نعرف أنه علينا إيجاد مكان آمن لحين توقف القصف، وبما أنه لم تكن هناك ملاجئ في داريا، نزلنا إلى القبو، وانضم إلينا جميع الأطفال والمسنين في الجوار، كلنا في غرفة صغيرة دون تكييف، ومرحاضٌ واحد لنا جميعاً، لا كهرباء أو هواتف، كان صوت القصف عالياً جداً، عشنا في أسوأ الظروف التي يمكن تخيلها. لا أستطيع أن أنسى مدى الرعب الذي عشناه، لكن حينها، كان علي أن أبقى هادئة، وأن أساعد من حولي.. لا يزال هناك مشهدان عالقان في ذهني، امرأة في العشرينيات من العمر تلد دون أطباء أو ممرضين حولها لمساعدتها. ولحظة إحضار طفل صغير ميت إلى والدته في القبو، حتى تراه للمرة الأخيرة قبل دفنه، لم أتمكن من التخيل حينها، كيف سيكون شعوري لو أن الطفل كان واحداً من أولادي.

في اليوم الثالث، هدأ القصف، تمكنّا من تشغيل التلفاز باستخدام مولد الكهرباء، واكتشفنا أن النظام لم يقصف المدينة من السماء فحسب، بل إن عناصره دخلوهاه سيراً على الأقدام. لقد قتل النظام عند دخوله بلدات أخرى الأبرياء، بمن فيهم الأطفال، اضطررنا إلى الهروب مباشرة. 

عندما خرجنا من القبو، لم أتعرف على داريا، كانت مثل الجحيم على الأرض، محروقة ومدمرة، والجثث في كل مكان. مدينة أخرى، غير التي أعرفها. غادرنا البلدة بسياراتنا الصغيرة، سلكنا الطرق في البساتين خوفاً من نقاط التفتيش، حتى وصلنا إلى دمشق.

عندما وصلنا، شعرت بالراحة. لكن، ما كان مؤلماً، هو أننا قطعنا مسافة 7 كيلومترات فقط، لنجد الناس في دمشق يعيشون حياتهم بشكل طبيعي.. يذهبون إلى العمل وإلى المدارس ويستمعون للموسيقا، ورغم المسافة القريبة، إلا أن أحداً في دمشق لم يكن يشعر بالألم الذي مررنا به للتو في داريا.

 لكن معركتنا الثانية مع النظام لم تكن قد بدأت بعد. اقتحم النظام العديد من المناطق بحثاً عن الشبان للتجنيد في الجيش. جاؤوا يوماً إلى منزلنا، وطلبوا هويات شقيقَي. وعندما اكتشفوا أننا من عائلة الخولاني التي انضمت إلى الانتفاضات في داريا، أخذوا شقيقَي بلال ومحمد. لم يكن اعتقالهما بسبب علاقتهما بالاحتجاجات، بل لأنهم كانوا على معرفة بأشخاص محتجزين لدى فرع الاستخبارات العسكرية (215) سيء السمعة.

في نيسان/إبريل 2013، أفرج عن بلال، لم أصدق عيني عندما رأيته. كان يشبه الهيكل العظمي، كان كرجل يبلغ من العمر 100 عاماً وينتظر الموت. مع ذلك كانت سعادتي برؤيته لا توصف. قال لي ولأختي حينها أنهم قتلوا أخي محمد أمامه في السجن. تمنيت لو أنه كان مخطئاً، وأن حالته العقلية جعلته مضطرباً ومربَكاً، لكنني في ذات الوقت كنت أعلم أنه يقول الحقيقة. لم أستطع إخبار والدَي، أو حتى أن أحزن أمامهم. وعندما نشر المصور المنشق عن النظام ”قيصر“ صور من قتلوا في سجون النظام، ورأينا صورة محمد، تلاشت آمالنا. عندها أخبرنا والديّ وزوجة أخي، التي كانت حاملاً بطفلهما.

أصبحت عائلتي أكثر قلقاً على سلامة إخوتي الآخرين، عبد الستار ومجد، اللذين لا يزالان رهن الاحتجاز. تحدثنا مع كل الأشخاص الذين يمكن أن نحصل من خلالهم على أخبار عن شقيقي. سألنا أشخاصاً خرجوا من السجون، وفي النهاية، قيل لنا إنهم أعدموا ميدانياً.. مرة آخرى، رفضتُ تصديق ذلك. عبد الستار ومجد لم يكونوا أخوتي فحسب، بل كانوا أصدقائي أيضاً، كنت أكبرهم سناً، أوصلت مجد إلى المدرسة في صغره واشتريت له الثياب، تصرفت معه كما أتصرف مع أطفالي تماماً.

مجد خولاني

في تشرين الأول/أكتوبر 2013، داهمت المخابرات الجوية منزلنا مرة أخرى، لكن هذه المرة، كانت تبحث عني أنا.

عندما فتحت الباب، سألوا عن اسمي، وعندما أخبرتهم، قالوا ”وجدناها“. كانت ابنتي تتعلق بساقي وهي تبكي عندما كانوا يحاولون اعتقالي. وعندما أخذوني إلى الخارج، رأيت زوجي في إحدى سياراتهم، اعتقلوه هو أيضاً.

وضعوني في حجز انفرادي، داخل زنزانة طولها متران وعرضها متر واحد، لمدة يوم على ما أعتقد. وفي اليوم التالي أحضروا مزيداً من النساء، حتى وصل عددنا إلى (13) امرأة، مع الحشرات والصراصير التي تخرج من حمام مكسور خُصص لنا جميعاً. كان علينا أن نستخدم الخرق الممزقة والملابس عندما تحيض إحدانا، لم يسمح لنا بالحصول على منتجات صحية، كان هذا تعذيباً في حد ذاته. 

في أحد الأيام أخذني الحارس لاستجوابي، شتمني واستخدم إشارات جنسية مهينة. بدأت بالبكاء، وعندما سألني المحقق عن سبب بكائي، ضحك وبدأ بشتمي هو أيضاً. كان يريد التأكد من أنني فقدت أي شعور بالكرامة حينها. رغم ذلك، كنت واحدة من النساء المحظوظات لأنني لم أتعرض للعنف الجنسي، لكنني سمعت الكثير من قصص النساء الأخريات اللواتي كانوا ضحية له.

في إحدى المرات، أخذوني أنا وزوجي إلى غرفة، عصبوا أعيننا وجعلونا بمواجهة الجدار. حملوا أسلحتهم وسحبوا الزناد، وأطلقوا الرصاص حولنا، كان “إعداماً مزيفاً“.. استغرقنا بضع دقائق لندرك أننا ما زلنا على قيد الحياة. وفي يوم آخر، حاولوا إجباري على الاعتراف بجرائم لم أرتكبها، تعرضتُ للضرب المبرح، لكنني لم أعترف. وبعد مرور بعض الوقت، أحضروا زوجي إلى الغرفة، مرتدياً ثيابه الداخلية فقط، ويبدو كأنه مسجون منذ مليون عام.. كان نحيلاً جداً. استمروا بضربه أمامي حتى وافقت على الاعتراف بكل الجرائم التي اتهموني بها. وحتى اليوم، لا أعرف على ماذا وقَّعت حينها، أردتهم أن يتوقفوا فقط. بعد ذلك، حُكم علي أنا وزوجي بالسجن لمدة أربع سنوات.

أطلق سراحي بعد ستة أشهر، وبعد أن دفعت عائلتي النقود مقابل خروجي. غاردت إلى لبنان، لم أكن أريد أن أترك زوجي بمفرده في السجن، لكن، من أجل أطفالي، لم يكن لدي أي خيار آخر. وفي وقت لاحق، أفرج عن زوجي، وانضم إلينا في لبنان.

في أوائل عام 2018، جئت إلى المملكة المتحدة، وفي الوقت الذي استطعت تكوين صداقات، وتلقيت ترحيباً من قبل الكثير هنا، لم تلتئم بعد الندوب التي خلفتها تلك التجربة. وفي هذا العام أيضاً، تلقيت أخباراً بأن مجد وعبد الستار قتلا في السجن، في الـ(15) من كانوا الثاني 2013، في اليوم ذاته وفي نفس الوقت، تم إعدامهما. وحتى وقتنا الحالي، لم يقدم لنا نظام الأسد أي أسباب لوفاتهما.

عندما علمت بوفاتهما، شعرت بأنني يجب أن أبقى صامتة، وأن أنهي عملي في مجال حقوق الإنسان، لم أستطع أن أفهم حينها، كيف يستمر نظام الأسد بارتكاب مثل هذه المجازر، بينما يستمر العالم بمشاهدته فقط. لكن مع مرور الوقت، بدأت أدرك أنه يجب علي ألا أسمح بأن يموت أشقائي عبثاً، هم فقط ناضلوا من أجل ما كانوا يؤمنون به، ومن واجبي أن أحافظ على ذكراهم حية.

أريد أن يعرف جميع الناس من هو نظام الأسد، إنه نظام كاذب وقاتل. لن يتمكن السوريون من الحصول على أي حقوق تحت حكم بشار الأسد. ليس في سوريا حقوق مدينة، لن تمتلك المراة أية حقوق على الإطلاق. النظام في سوريا يعتبر حقوق الإنسان ”مزحة“، إنها شيء لا يمكن أنه يفهموا ماهيته، هذه الكلمات ليست حتى في قواميسهم.

سأستمر في رواية قصص ما فعلوه بعائلتي وبشعب سوريا، يجب على السوريين وعلى المجتمع الدولي، ألا يسمحوا أبداً للنظام بنسيان ما فعله، يجب أن يدفع ثمن الجرائم التي اتركبها ضدنا. هو لا يختلف عن مجرمي الحرب الآخرين، وأنا أعتقد أن الأسد سيواجه العدالة ذات يوم.

المقال ترجمة وتحرير جُرف نيوز عن صحيفة “الإندبندنت The Independent” البريطانية:

https://www.independent.co.uk/news/long_reads/syria-civil-war-detention-brutality-death-toll-prison-assad-regime-a8626071.html

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه