بعد (3) سنوات: تطور التدخل الروسي في سوريا

جُرف نيوز | ترجمة

جوزيف ضاهر / ذي أتلانتيك كاونسل

تعتبر سوريا هي الدولة الأولى التي تشن فيها موسكو عمليات عسكرية كبرى خارج حدودها منذ نهاية الحرب الباردة مع الولايات المتحدة، وبعد أن دعمت موسكو حليفها الأسد سياسياً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، واقتصادياً من خلال صفقات الأسلحة، أضافت روسيا دعمها العسكري إلى نظام الأسد، وغيرت مسار الصراع. وبفضل القوة الجوية التي منحتها روسيا للنظام والميليشيات الإيرانية على الأرض، تمكن النظام من الإطاحة بمعاقل المعارضة، واستعادة سيطرته على معظم المدن الكبرى في البلاد.

التدخل العسكري العميق

كان الهدف من التدخل العسكري الروسي هو استعادة الأراضي التي خسرها نظام الأسد لصالح قوى المعارضة، وادعت روسيا بتدخلها المكثف في سوريا بأنها في “حرب ضد الإرهاب”، لكن موسكو سعت في المقام الأول إلى حماية حليفها الأسد سياسياً وعسكرياً، وسحق كل أشكال المعارضة. يبدو ذلك جلياً من انخفاض نسبة الضربات الجوية الروسية ضد تنظيم داعش، حيث استهدفت الغارات الروسية داعش بنسبة (25) في المائة من الوقت في الربع الأول من عام 2016، وانخفضت تلك النسبة إلى (22) في المائة في الربع الثاني، وإلى (17) بالمائة في الثالث.

بنت موسكو قوات برية كبيرة في جمبع أنحاء سوريا، وتشير التقديرات إلى حوالي (4000) جندي ومقاتل على الأرض، من بينهم العديد من الشركات العسكرية الخاصة مثل “Wagner” وMorgan Security Group PMC””، بالإضافة إلى نشر سفنها البحرية قبالة ساحل البحر المتوسط، كما أنها أرسلت ثلاث سفن بحرية حربية لتعزيز قواتها قبالة السواحل السورية.  درب مستشاروها العسكريون عناصر في جيش النظام، في وقت طوروا علاقاتهم مع الميليشات الموالية لنظام الأسد، مثل لواء “القدس الفلسطيني” و”صقور الصحراء” و”مغاوير البحر”.

وكانت روسيا هي القوة الفاعلة في تأسيس “الفيلق الخامس” في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، حيث قامت بإدارة وتمويل المجموعة التي تم نشرها إلى جانب قوات النظام. وفي منتصف عام 2018، تألفت تلك الوحدة من عناصر تابعين للنظام، وميليشات موالية شكلها النظام والروس، وعناصر من فصائل المعارضة وقعت اتفاقات مصالحة مع روسيا.

توحيد التحكم

في آب/أغسطس 2015، وقعت موسكو مع نظام الأسد صفقة تسمح لتأسيس قاعدة حميميم الحوية في محافظة اللاذقية لإطلاق عملياتها العسكرية. وبعد أكثر من عام، صادقت روسيا على ذلك الاتفاق للسيطرة الدائمة على القاعدة الجوية الاستراتيجية، ونشر قوات جوية إلى أجل غير مسمى، بناء على طلب من نظام الأسد. حيث تسمح اتفاقية الـ”تسعة وأربعين عاماً” لروسيا بالاحتفاظ بالقاعدة الجوية والسيادة على المنطقة، والاحتفاظ بما يصل إلى (11) سفينة حربية، بما في ذلك سفن تعمل بالطاقة النووية، كما ينص الاتفاق على أن روسيا لديها خيار بتمديده لمدة 25 عاماً آخرين.

تبعت روسيا ذلك بتوسيع وجودها العسكري في يناير 2017، عبر منشأة بحرية في طرطوس، ويعتبر ذلك رصيداً هاماً، لأنها أصبحت بمثابة القاعدة العسكرية الوحيدة خارج إطار الاتحاد السوفييتي السابق، التي تتمتع بوصول مباشر إلى البحر المتوسط. هذا المركز البحري عزز القدرة التشغيلية لروسيا في المنطقة، وهو هدف طال انتظاره.

وسع الجيش الروسي منشأته البحرية الصغيرة في طرطوس للتعامل مع سفن حربية وسفن نقل أكبر، وسط تعزيز عام للقوات الروسية. ومع نشر حوالي (1700) من الأخصائيين العسكريين الروس في منتصف عام 2015، الذي شكل زيادة هائلة، عما كان عليه عدد الموظفين من عسكريين ومتعاقدين مدنيين في عام 2012، كان التوسع العسكري الروسي في سوريا، جزءاً من توسع أكبر شمل تأسيس قواعد عسكرية في عديد من البلدان الأخرى.

ومع توقعات بعملية عسكرية ضد إدلب في أوائل أيلول/سبتمبر الجاري، عززت روسيا وجودها العسكري قبالة الساحل السوري، في أكبر انتشار بحري لها منذ بداية النزاع. وشاركت أكثر من 25 سفينة حربية وحوالي 30 طائرة، في مناورات بحرية بين 1 و8 أيلول، وفقاً لما ذكره قائد البحرية الروسية.

وفي الـ 24 من الشهر الجاري أعلنت موسكو بأنها ستزود نظام الأسد بصواريخ S-300 في عضون أسبوعين. بعد إسقاط طائرة عسكرية روسية بالخطأ من قبل قوات النظام، عند محاولتها إطلاق النار على طائرات إسرائيلية كانت تشن هجمات على منشآت للنظام وإيران.

المرتزقة في العمل

بحلول نهاية عام 2016 وبداية عام 2017، تم نشر الشرطة العسكرية الروسية في سوريا لتدريب قوات النظام والقيام بدوريات مشتركة في بعض المناطق. وكرَّم بوتين شخصياً أعضاء الشركات العسكرية الخاصة، على الرغم من أنها شركات مقاتلين مرتزقة تعمل خارج الإطار القانوني. ومع ذلك، وقع بوتين على تعديل للقانون رقم (53) الذي يسمح بنشر المرتزقة الروس حول العالم لدعم الجيش الروسي.

وفي الوقت الذي يستعيد فيه النظام المدن والأراضي من خلال الدعم العسكري الروسي والإيراني، كانت تصريحات بوتين تشير إلى أن أهداف الجيش قد تم تحقيقها، ودعا إلى سحب جزئي لقواته. وبعد ذلك الإعلان الأولي، تبين أنه مجرد كلام في خطاب. حيث كشفت التقارير عن تناوب منظم في عودة الطائرات والأسلحة من أجل الصيانة، وليس الانسحاب. وبعد مرور عام قدم بوتين ادعاء مماثلاً، غير أنه صرح في وقت لاحق بأن جيشه سيبقى ما دامت الحاجة تستدعي ذلك. وحتى الآن، فإن ما مجموعه (63,012) عسكرياً روسياً قد تلقوا “تجربة قتالية” في سوريا، من بينهم (25,738) من كبار الضباط، و(434) جنرالاً، بالإضافة إلى (4,349) متخصصاً في المدفعية والصواريخ، وفقاً لموسكو.

لقد استخدمت روسيا تدخلها العسكري في سوريا كطريفة لـ”إظهار أسلحتها لمبيعات التصدير”، وخاصة طائراتها المقاتلة من طراز (SU-34) وصواريخ كروز. وقد تم استخدام أكثر من (200) سلاح جديد في سوريا بحلول شباط/فبراير 2018.

التحولات السياسية والدوافع

يعود الحلف بين روسيا والنظام إلى الحرب الباردة. والتزام موسكو بدعمه منذ بداية النزاع واضح. لقد استخدمت روسيا باستمرار حق النقض وأفشلت قرارات مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات على نظام الأسد. لأنها تعتبر إمكانية الإطاحة به تهديدًا كبيرًا لمصالحها الإقليمية. إن إزالة النظام يمكن أن يضعف نفوذها في المنطقة، بينما يعزز موقف الولايات المتحدة، وهذه نتيجة سيئة بالنسبة لروسيا.

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه